المغرب في قبضة السياسات النيوليبرالية: بقلم الأستاذ و المحامي الحسين بكار السباعي
بين تعويم الدرهم واغتيال القدرة الشرائية للمواطن ،أين الحل؟
مع بزوغ فجر 2025، وجد المغرب نفسه رهينة سياسات اقتصادية قاسية فرضتها المؤسسات المالية الدولية ، بعدما أثقلت الديون كاهل ميزانية الدولة وبلغت الإقتصادية ذروتها . تعويم الدرهم ، كان خطوة حذرة لبنك المغرب ، ليتحول اليوم إلى إجراء صادم ، حيث سترتفع نسبة المرونة إلى 10% مطلع العام ، ثم 45% في منتصفه ، لتصل إلى 70% في 2026. أسعار الصرف المتوقعة تبعث برسائل مقلقة حيث يتوقع أن يصل الدولار إلى 19.8 درهم ، وهو ما يهدد بارتفاع الأسعار واندحار القدرة الشرائية ، رغم الشعارات التي تروج لتعزيز التصدير والاستثمار الأجنبي .
في الواجهة الأخرى من هذه الصورة المخيفة ، يستمر ما يسمى بإصلاح صندوق التقاعد في خنق الطبقة العاملة ، و رفع سن التقاعد إلى 65 عاما، و زيادة الاقتطاعات ، وتقليص المعاشات ، إجراءات حكومية ، لم تكن سوى حلول مؤقتة لصندوق يلفظ أنفاسه الأخيرة قبل حول سنة 2028 ، بعد أن استنزف في سلسلة من الاختلاسات التي دمرت استقراره .
المأساة الكبرى ياسادة ، تكمن في الهجمة النيوليبرالية الشاملة التي لم تترك مجالا إلا وامتدت إليه ، من تفكيك للوظيفة العمومية ، وخوصصة الخدمات الصحية والتعليمية، إلى إلغاء دعم المواد الأساسية ، وفرض قوانين تكبل العمل النقابي ، في ظل تغييب تام لأي صوت سياسي أو مدني قادر على الدفاع عن الفئات المتضررة . فضلا على أن اختيار صندوق النقد الدولي تنظيم قمته السنوية بمراكش لم يكن صدفة تاريخية ، أو مجرد قرار تقني ، بل إعلانا رمزيا بأن المغرب قد أصبح رهينة لإملاءات هذه المؤسسة ، نتيجة انصياعه التام لسياسات نيوليبرالية مدمرة . هذا الحدث يعد شهادة واضحة على أن البلاد باتت ، عاجزة عن رسم خياراتها الاقتصادية والإجتماعية بشكل مستقل . في ظل هذا الوضع، تحولت السنوات الأخيرة إلى مرحلة انتقالية قاسية، حيث فرضت سياسات تعمق التفاوتات الإحتماعية وتسحق ما تبقى من الطبقة الوسطى .
فالكل اليوم أضحى يتساءل عن سبل إنقاذ المغرب ، من براثن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الراهنة ، والذي يكون أولها جرأة الحكومة على رفض الانصياع الأعمى لإملاءات المؤسسات المالية الدولية ، واستعادة القرار الوطني السيادي. ليبدأ الحل بإعادة ترتيب الأولويات، عبر إصلاح اقتصادي يركز على تنويع مصادر الدخل، بتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليص الاعتماد على الديون . لابد من محاربة الفساد بصرامة واستعادة الأموال المنهوبة، لتوجيهها نحو القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة ، بدلا من تسليمها لمنطق الخوصصة الذي يهدد الأمن الاجتماعي.
لتكون الخطوات الموالية بدعم الفئات المتوسطة والضعيفة عبر سياسات إجتماعية حقيقية ، وإعادة دعم المواد الأساسية والذي يشكل خط الدفاع الأول لحماية القدرة الشرائية للمواطن.
ختاما ،إن أي بناء اقتصادي متوازن ومستدام يتطلب لا محالة ، فرض ضرائب تصاعدية على الثروات الكبرى والشركات العملاقة ، بدلا من إثقال كاهل الطبقات الكادحة. كما أن النهوض بالعمل السياسي والمدني الجاد أضحى ضرورة ملحة لتوحيد كل الجهود الوطنية ، والعمل على إحياء النقابات والجمعيات المستقلة لمقاومة السياسات الجائرة . دون أن ننسى أن الحل الأولى يكمن في الإستثمار الحقيقي في القطاعات السيادية ، كالتعليم والصحة والطاقة النظيفة، لضمان خلق فرص عمل مستدامة وتحقيق تنمية شاملة، مع تعزيز العدالة الاجتماعية كركيزة أساسية لإصلاح شامل يعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطن