التطرف في فهم “تازة قبل غزة”
مما يدل على وجاهة عدم الرضا عن خرجات السيد بنكيران العدالة والتنمية الأخيرة فاتح ماي هو استياء شخصيات من داخل حزبه، وليس فقط من شرائح المجتمع المغربي المتعددة، لدرجة وصف بعض أعضاء أمانة الحزب العامة خطاب بنكيران بأنه غير مسؤول، بل رفض انخراط بعض الفضلاء الوازنين الالتحاق بعضويتهم في الأمانة العامة للحزب بحسب أخبار إلكترونية طبعا.
أولا- فيما يتعلق بالمنافسة الحزبية الوطنية:
نعلم أن كل تحرك حزبي يدخل في إطار ملء سيرته النضالية استعدادا لاستحقاقاته الانتخابية المقبلة.
ولهذا صب بنكيران كل صفات التواطؤ واللاأخلاق ضد جيوب الشعب المغربي -لمّا قام هو في حكومته السابقة بتحرير الأسعار- على المستثمر أخنوش رئيس حكومتنا الحالي الذي اتفق وباقي المستثمرين على غلاء ثمن المحروقات.
أقول للسيد بنكيران: الأصل في أهلية من يقود حكومة ما أن يكون لديه تمام الاطلاع على السوق وحيل أهله وتجاره ومستثمريه وعميق فهم ما يروج بمجتمعنا والعالَم، فهل في قانوننا المغربي مثلا بند يعاقب على الحيل في أرباح المستثمرين الخواص؟
هل كنت ترأس الحكومة وأنت مستفيد من ليبرالية المغرب السياسية حيث التعددية الحزبية وضمان الحريات العامة والفردية، وأنت في الآن نفسه لا تدري توجّه مغربنا الاقتصادي الليبرالي المنبني على تنمية وتطوير الاقتصاد وكذا الاستثمارات الخاصة؟
لذا فكل ما حصل من حيل المستثمرين تضييقا على قدرات المغاربة المعيشية تتحمله وحدك وأنت تقود حكومتنا المغربية، إذ المستثمرون استغلوا ثغرة جهل الحكومة ورئيسها بلعبهم التجارية فمارسوا “حقهم” القانوني الميداني.
ثم متى كان تكتل التجار لصالح ربحهم الفاحش أمرا طارئا مستحدثا لم يمارسه أول مرة إلا المستثمرون في المحروقات حتى يفاجئك وأنت رئيس للحكومة؟ فهذا ابتلاء ابتلي به الشعب المغربي منذ فتح عينيه على الحياة في شتى مجالات بيعهم وشرائهم غشا واحتكارا وغيرهما، ويعرفه الجاهل والمتعلم على السواء.
فلو أنت غيور على جيوب المواطنين لكنت تصرفت في صلب كينونة النظام الاقتصادي لتسد فيه ثغرات الحيل المؤدية للثراء الفاحش الناجي من المتابعة القانونية.
بل الأدهى من هذا: هو أنك لا تكتب لنا لا كتابا ولا مقالا تبين لنا فيه تتبّعك لتطورات الوضع السياسي والاقتصادي الوطني والدولي حتى ينجلي للمصوتين أهلية من يقود رئاسة حكومتنا المغربية؟
متى يبقى السياسي مقتنصا لفرص ومناسبات المناورة بالعبارات والألفاظ للاستقطاب فقط بعيدا عن اقتحام عقبة الفعل الحضاري والاقتراح التنموي دراسة وتحليلا ونقاشا؟
أليس من حق العاقل أن يتساءل: ما الذي يخبئه ضد كل من يسعى لتسيير الحكومة المستثمرون -وهم متخصصون ومتتبعون دوليا لتطورات الأوضاع-، بل قد نجد منهم من يخدم أجندة اقتصادية أجنبية ليتحكم في أوضاعنا عن بُعد، ماذا يخبئون من حيل لرئيس الحكومة المقبل الغافل عن عمق تصرفاتهم وتجديد حيلهم تحقيقا لمزيد أرباح شركاتهم؟ فالعالم من حولنا في تغير/تطور مستمر.
ثانيا- فيما يتعلق بعلاقة المغرب الاستراتيجية الدولية:
وصف بنكيران الرئيس إيمانويل مكرن بالمذلول لأنه لمّا يعترف بعد بالدولة الفلسطينية.
فأقول: إن طغيان مصلحة إرضاء الجماهير المستمعة لخطاب بنكيران جعل رئيس الحزب لا يهتدي لانتقاء الألفاظ والعبارات الحضارية لوصف رئيس دولة تجمعنا به الآن مصالح تصب في مصالح وطننا العليا، في ظل تكالبت بعض دول الجوار على تشتيتنا وتمزيقنا، وفرصة أن يستقطب هؤلاء الجيران مزيد دعم وقوة أجنبية يسهم فيها بنكيران مع الأسف بارتجاليته وعدم ضبطه واستحضاره للسياق الدولي حتى ينتقي له العبارات المناسبة.
فهل بوصف بنكيران الرئيس مكرن بالمذلول سيحبّبه في فلسطين أم سينفّره! مع العلم أن دكاكين سياسية متعددة تتاجر بالقضية الفلسطينية!
والسياسي اللبيب الفطن الحذِر هو من يُبقي على مصالح وطنه ولو بنسبة ما، فعلى الأقل تعد مملكتنا المغربية من أهم شركاء الاتحاد الأوروبي، وتأتي شراكتنا لفرنسا في طليعة الشراكات، وهذا حتى لا نكون نهدم من حيث قائد البلاد يبني.
وقد كنتُ كتبتُ ثلاث مقالات إلكترونية أنتقد فيها الرئيس مكرن بما استدعته ثلاث مساقات متنوعة سابقة:
كان أولها في سياق مناصرته للرسوم المسيئة للرسول الكريم وتنقيصه من عالمنا الإسلامي كتبت حينها مقالي “يا مكرن دعنا نحترم العلمانية” أكتوبر 2020.
وثانيها في سياق ما نبهنا عليه ملكنا محمد السادس من ضبابية موقف الرئيس مكرن تجاه صحرائنا المغربية، كتبت مقالي “مركزية المبادئ والقيم الواقعية في خطاب الملك” شتنبر 2022.
وثالثها في سياق تجرؤ الرئيس مكرن على مخاطبة الشعب المغربي مباشرة بعد زلزال الحوز، كتبت مقالي: “يا مكرن بضدها يُنتَشَل الشهداء” شتنبر 2023.
بل نظمتُ قصيدة شعرية بعد هذا المقال ترجمتها للفرنسية كنا سنتقدم بها جمعويا لسفيره بالمغرب، فأحجمنا عن هذا نظرا للتطور الإيجابي الذي حصل بيننا وبين فرنسا.
وعليه فعلى السياسي المحنك أن ينتبه لسياق الرأي المغربي العام حتى يسهم فيه إيجابيا ولا يضيع جهده إبحارا ضد التيار.
ثالثا: فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية:
من أقوال بنكيران في مهرجانه الخطابي الحزبي الأخير فاتح ماي وهو يستنكر مقولة “تازة قبل غزة” ويسفّه أصحابها ما يلي:
“تازة مهمة وغزة مهمة”
“ألمركوعين… ميكروبات… ألحمار، ألحمار، ألحمار…”
“نحن أنصار للقضية الفلسطينية بدون تحفظ، وعلى رأسنا جلالة الملك”
“محمد السادس … قال لكم القضية الفلسطينية بالنسبة لنا بحالها بحال القضية ديال الأقاليم ديالنا الجنوبية”.
وفي كيل بنكيران لمختلف النعوت المنحطة الحاطة من كرامة المغاربة أقول ما يلي:
أليس من حكمة الداعي إلى الله أو السياسي المحنك أو الدبلوماسي الراقي ألا يلجأ لقاموس التنقيص من مخالفه؛ ليقوّي من فرص إقناعه وإرجاعه للصواب؟
لِتَبْقَ مخلصا في نعوتك تلك وتطبقها من باب أولى على آلاف الفلسطينيين الذي هربوا من مقاومة المحتل بفلسطين واختاروا العيش الرغيد في شتى بقاع العالم، وكلنا يعلم أن وجوب مقاومة المستعمر يبدأ من أهل البلد المحتلّ، ثم تجب النصرة على الأقرب فالأقرب، ولْتُرَكّزْ في تموضع المغرب جغرافيا لتعرف الحكم المناسب آنذاك، موازنة له بباقي الدول الإسلامية والعربية وغيرها القريبة من فلسطين، ومنها ما يشكّل دول الطوق.
فلماذا ندّعي نصرة فلسطين إسلاميا ونحن نتعمد قلب الأحكام الإسلامية، أليس هذه سياسوية متاجِرة واضحة لكل ذي بصيرة!؟
أليس في قول القائل “تازة قبل غزة” واقعية طبيعية لا تتحقق نصرة فلسطين إلا بها؟
فلو شُتِّت المغرب -لا قدر الله- هل نجد فيه من ينصر فلسطين؟
ألم يسَوّ الله في القرآن عدم توافر الديار والأوطان بقتل النفس في قوله جل في علاه: (أن اقْتُلوا أنفسَكم أو اخْرُجوا من دياركُم) [النساء: 66]؟
هذا وقد رددتُ على خالد مشعل في مقالي الإلكتروني “تأويل مشعل الجهادي للمغاربة” نونبر 2023، لمّا خطب عن بُعد على المغاربة مستنهضا الشباب ليثوروا ضد حكامهم بسبب “التطبيع”، وهنا نتساءل بالخصوص عن كل من ننصر نحن قضاياهم لمَ يهملون قضية صحرائنا بأقاليم مملكتنا الجنوبية، إذ لم نلاحظ مسيرات مليونية عندهم تناصر صحراءنا كما نفعل نحن في قضاياهم، وأضيف متسائلا:
متى شاوَرَنا غيرُنا في قرار هجوميّ نوعيّ ما حتى نتحمل تبعات ما آل إليه اجتهاده؟ والمقاومة مجموعة أفكار وتقديرات واجتهادات تصيب وتخطئ…
هذا مع العلم أن فلسطينيين أصلهم من غزة ولدوا في بعض الخيام استنكروا في وسائل التواصل الاجتماعي وتساءلوا عن سر تسهيل فتح مختلِف الأبواب لهجوم حماس في طوفان الأقصى، وبقاء ترسانة إسرائيل العسكرية الجوية المتطورة في “سباتها” المصطنع؟ هل هو تمهيد يَركَب على سذاجة “جهاد الطوفان” يشّرع للاحتلال انتقاله لمرحلة جد متطورة تقرّبه من هدفه الأسمى…؟
وأتساءل معهم عن سر صفقة بيع سوريا كلية، فهل الداعي لهذا هو أنها جسر محوري لبلوغ نهر الفرات!؟
وقبل هذا ما سر تجميع المقاومة اللبنانية الشيعية لسبعة من قادة حماس الميدانيين السّنّيّين في مكتبهم ليباد جميعهم بطائرة الدرون لم يقتل معهم شيعي واحد !؟
فهل يبقى مع كل هذه الأحداث وغيرها أن أهل السنة خانوا فلسطين وأن أهل الشيعة نصروها!؟
وهنا ما سر إثارة بنكيران في خطابه النقابي لاحتمال أن أصله السوسي قد يكون في إيران!، هل هو تغطية ما لأمر آخر، أم تزلف للآخر المناهض لوحدتنا الترابية الوطنية؟ فكلام السياسي بطبيعته حمّال وجوه.
هل تستطيع يا بنكيران وصف السلطة الفلسطينية بأقذع أوصاف الخيانة وهي تنفذ مخرجات اتفاقات أوسلو باعتقال المقاومين ميدانيا ومحاكمتهم، بل شاهدنا ما يروج في فديوات من إعدام بعض مقاومي حماس لدى السلطة في شوارع فلسطين إن كان صحيحا بالطبع!؟
هل تستطيع يا بنكيران وصف الدولة اللبنانية بأقذع أوصاف الخيانة وقد اطلعنا في أخبار الصحافة الإلكترونية مؤخرا أن المجلس الأعلى للدفاع بلبنان حذر حماس، يوم الجمعة ثاني ماي في بيان له، من القيام بأعمال “تمسّ بالأمن القومي”، بعد عمليتي إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل التي ردت بقصف جنوب البلاد والضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله، الحليف للحركة الفلسطينية، وشدّد على “اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية “، مع العلم أن حماس سلمت الأحد 4 ماي قواتِ الدفاع اللبناني مُجاهدَها الذي أطلق صواريخ على إسرائيل من مخيمات بلبنان في أواخر مارس الماضي!؟
ألا تذكر يا بنكيران ما قلته سنة 2012 والتسجيل ما يزال حيا: “الله يجعلو يكون يهودي، أنا تانفضل واحد يهودي وعندو الغيرة على بلادو وcapable على واحد فالعدالة والتنمية وما فيدوش يمشي يلعب، جاتكم قاصحة هاذي…، دبا دبا فإسرائيل باقية عائلات مغربية معلقة التصويرة ديال محمد الخامس، لدابا حنا ف2012…، واش حنا جينا نخدمو وطن ولا حنا طائفة! … راه ذاك المنطق ديال الطائفة وشي يدفع شي هو لي كيخلينا نشوفو الغرايب فهاد الوسط السياسي، خلينا نكونو واضحين ونكونو معقولين”!!!:
- ما هذه التقلبات والتحولات والتموضعات والتخندقات والتشكلات!؟
- هل وضوحكم وتعقلكم في 2012 هو غير وضوحكم وتعقلكم في 2025!؟