مقال بقلم د. الحَسَن بوقسيمي : أحزابنا وتطلعاتنا السياسية
لا شك في أن دمقرطة علاقاتنا البشرية يتم عبر تأطير مختلف الأحزاب والانتماءات السياسية لأفراد الشعب صغارا وكبارا، بمعية جمعيات المجتمع المدني كلٌّ من زاوية تخصصه واهتمامه.
وكما أسهمت أحزابنا السياسية في الدفع بمملكتنا المغربية نحو الحوار الحضاري البناء والسعي في التنمية والتقدم، سقط بعضها في التنازع والتصارع والتبييت والتخطيط لتحقيق أغراض خاصة، بل تناسلت في أيامنا الأخيرة هذه قضايا النصب والنهب والاحتيال بت في بعضها قضاؤنا المغربي وما يزال، تهم أناسا من متعدد أحزابنا تستروا وراء حزبيتهم وكراسيهم البرلمانية ليسهّلوا النجاح لصفقاتهم المشبوهة ولشركاتهم الخاصة.
لقد تَطوَّر أداء سياستنا المغربية ودبلوماسيتها، داخليا وخارجيا، بما يناسب مراحل تأسيسها وعقبات فترة الحماية وتعاون البلدان الأجنبية على الانقضاض على خيراتنا، و٧ذا التطور بتضافر نسائها ورجالها وجميع الفاعلين دولة وأحزابا وجمعيات وأفرادا، وتطور معه مختلِف الحيل والتضليل والإغراء بقيم السياسة النبيلة الخادمة للشعوب ظاهريا للانقضاض على الفرائس المخطَّط لها باطنيا.
يتساءل الجميع عن التّغيّب المتعمَّد الملحوظ للسياسي عن فاعليته وديناميته في سنواتنا الأخيرة هذه، عمّقه وباء كوفيد الذي اكتسح العالم برمته، نتساءل ونحن نَعي تمام الوعي أنه لا مفر من تطور مسارات الحياة بمختلِف مراحلها ودرجاتها، لكن أن يتعمد مسؤولون الإبقاء على فلسفات ومناهج حقب زمنية ولّت وحل محلها قضايا وآليات ووسائل غير معهودة من قبل، هذا أقل ما يمكن نَعتُه به هو أنه جهل بفلسفة الحياة والحضارات والشعوب.
إن طبيعة ما يتسابق به العالم من وسائل التقدم والسيطرة وإلمام شباب اليوم بكل تفاصيله يجعلهم ينفرون تلقائيا من طرق تناول الأحزاب القديمة قضايا الحاضر ومعالجتها، بل يجد أرباب تلك الأحزاب أنفسهم قد لفظهم تقدم اليوم وقناعة شباب اليوم. وهذا ما نفهم به لماذا عزف الشباب عن ثقتهم بسياسيّ اليوم.
وهنا مربط فرس الاستغراب: لماذا يتعمد كبار متحزبينا حفظ كراسيهم وهم مقتنعون بأن مرحلة اليوم تجاوزتهم!؟
نعلم جيدا أنه صعب جدا إرجاع الثقة في الفاعل السياسي لدى شبابنا نظرا لعمق الأثر السلبي الذي يخلّفه النفاق السياسي والوعود الكاذبة والتحايل الممنهج، خصوصا وأن الفئات ذات الهشاشة -التي تشكّل قاعدة هرمنا الاجتماعي- سحقتها طاحونة الغلاء الممنهج عالميا.
وعلى رغم وجود بعض الأحزاب المؤسَّسَة على الليبرالية التي تعد اختيارا اقتصاديا عالميا، إلا أنه يعوزنا الجمع بين اختيار مملكتنا المغربية لمنهج اندماجها العالمي خارجيا، وبين خدمة أفراد المجتمع داخليا، وعدم تأسيس الاختيار الليبرالي على المجال الاجتماعي يُسقِط في الأنانية المفرطة خدمة لمصالح الأقطاب المؤدي لليبرالية المتوحشة.
في حين أنه بإمعان الفكر في قيم ثوابتنا المغربية الإنسانية الحضارية ومِن أُسسِها دين الإسلام وإمارة المؤمنين، متميزين بانفتاحنا على إيجابيات مختلِف المناهج التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية العالمية بخصوصية مملكتنا المغربية التي أَسَّسَت منذ القدم حضارتنا وتحدّت بها متعدد الأطماع والمذاهب والتّحدّيات والمطبات والمصائب -وما تزال- داخليا وخارجيا، وعلى رأسها تحدي وحدة مملكتنا الترابية.
إن انعدام القيم التي خلّدت حضارتنا المغربية في ممارسات أحزابنا التي مالت نحو الأنانية لدرجة مأسستها جعلت أحزابا تتخصص في المضاربة والمنافسة الشرسة في شتى الاستثمارات، خصوصا وأن وجودها بقبة البرلمان يخوّل لها مزية حصولها على فرص الاستحواذ على الصفقات المربحة الضخمة. وتغييبُ هذه القيم ضربٌ فيما يجمع الشعب المغربي بقيادته التاريخية الأصيلة؛ إذ المال عصب الحياة، والتفريط في تحقيق كرامة الشعوب شللٌ متحققٌ لا محالة في حياتها.
لا يخفى لدى عاقل ما لإكراهات علاقاتنا الدولية السلبية منها والإيجابية من تأثير مباشر في مستوانا المعيشي، ولا ينبغي والحالة هذه أن نترك العابثين يستغلون كل متاح لديهم ليهمشوا الشعوب بأثرة منهم وبأنانية مغرضة متوحشة، فما لا يُدرك كله لا يُترك جله، وَلَأَنَ نخوض تَدافُعَنا معهم -ولو بتحقيق نسبة ما من الفعالية الإيجابية- أولى من أن نترك الحبل على الغارب؛ فأخفُّ الضررين أولى من الضرر الأشد أو الشديد، وهكذا. وكما يقال: أول الغيث القَطرُ ثم ينهمر.
ثم ما دامت الحياة مستمرة فمستحيل أن تتمحض في السلبي فقط؛ إذ لابد من توافر السلبي والإيجابي، الشر والخير، الطالح والصالح، وما علينا إلا أن ننخرط في صف الإيجابي بما هو متاح لنا في خضم تلاطم أمواج بحور المصالح المتضاربة.
وعليه وكما علّمتنا الحياة فدوام الحال من المحال وجمود وضعنا الحزبي دون تغيير أو تطوير أو تجديد مستحيل وغير واقعي، إذ لا تقدُّمَ بدون تجديد.
وضرورة طرح بديل أو بدائل -تتدارك أوضاعنا وقضايا عصرنا خصوصا الشبابية منها في حدها الأدنى، وحفظ مبادى ثوابتنا المغربية في حدها الأعلى، صونا لكينونة حضارتنا وأصالتنا وفتحا لأبواب اندماجنا الكوني- أصبح ملحا، وهذا لاقتراح ما هو مناسب في ظل عولمتنا وتداخل الشعوب والدول والمؤسسات فيما بينها؛ لينال كل فرد ما يتيسر له من مَوردٍ يحقق كرامة عيشه ونبل تواصله وتحقيق ذاته.
ولا يتم هذا إلا بقيمنا المغربية الثابتة الخالدة، توظيفا لآلية “الليبرالية الاجتماعية بالخصوصية المغربية” خدمة للدولة الاجتماعية مقصد صاحب الجلالة حفّه الله بلطيف رعايته في شتى خطبه وتوجيهاته، يُرَشّدُ أعمالَها الميدانية ثلة من العلماء والمفكرين المتخصصين كلّ في ميدانه واهتمامه؛ فالتكامل هو الكمال الإنساني.
مقال بقلم د. الحَسَن بوقسيمي
جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس
لجنة التواصل و الإعلام باريس